القبور في سقطرى..موروث ثقافي يتعرض للنبش دون رادع

قشن برس: أحمد الرميلي

سُكنت سقطرى منذ آلاف السنين، وخلّفت البشرية التي سكنتها إرثاً ثقافياً لا يستهان به، ومنه إرث ثقافي قابل للتلف، وسافر ذلك الإرث عبر قرون من الزمن، ليصل إلينا غضاً طرياً، لم تمسّه يدُ العبث، ولم يطُله الدمار والخراب، وفي هذا دلالة دامعة على حب السقطريين لتراثهم، وحفاظهم عليه كحفاظهم على أعينهم.

وعندما وصل ذلك الإرث الثقافي إلى الجيل الحالي تغيرت النظرة تجاهه، وأخذ هذا الجيل يفكر بمصلحته الشخصية، ضارباً عرض الحائط أهمية هذا الموروث، وأنّه كنز عظيم، حافظ عليه الآباء عن الأجداد.

ومن الموروث الثقافي الملموس الذي طالته يد الغدر، القبور غير الإسلامية المنتشرة في عرض سقطرى وطولها، وهي قبور يُعتقد أنه تم الدفن فيها قبل مجيء الإسلام إلى سقطرى؛ لأنها لا تحمل مواصفات القبور الإسلامية، وهي بلا شك لأجدادنا السقطريين الذين عاشوا وماتوا فيها.

ففي السنوات العشر الأخيرة ظهرت فئة من الشباب لتنظر إلى تلك القبور غير الإسلامية بنظر قاصر، حيث يعتقدون أن تلك القبور هي لأناس كفره، لا صلة لسقطرى بهم، كما نظروا أيضاً من منظور مادي ضيق، فيعتقدون أن تلك القبور تحوي كنوزاً ومجوهرات وتحفاً غالية الثمن، ومن هذين المنظورين حدثتهم نفوسهم البائسة بنبش وتدمير تلك القبور؛ للوصول إلى باطنها، والحصول على الكنوز.

وبالفعل نُفدت المهمة، ونُبشت القبور، وبعثرت أحجارها، وأُخرجت العظام من مكانها، وانتهكت حرمة ساكنيها، وتم القضاء على جزء مهم جداً من الموروث الثقافي السقطري، الذي بقى صامداً لمئات السنين..هذه النتيجة التي خرج بها هؤلاء الشباب، أما عن الجانب المادي المرجو فقد رجع هؤلاء بخفي حنين، ولم يعثر أحد منهم على الكنوز المزعومة، والأموال الطائلة، سوى بعض اللُقي التي لا تسمن ولا تغني من جوع، مثل بعض الخرز العادية، ومقابض السيوف، وأدوات المنزل، وكل الذي تم العثور عليه لا يساوي شيئاً أمام هذا التراث الجميل الذي تم تدميره.

هؤلاء لم يراعوا حرمة الموتى الذين أفضوا إلى ما قدموا، وهم في حياة البرزخ، وكل مرتهن بعملة، ولم يخشوا مولاهم الذي يعلم السر وأخفى، ولم تأخذهم الرقة والرأفة وهم يقومون بهذا الفعل الشنيع.

كيف حال هؤلاء الشباب لو نبش أحدُهم قبر أبيه أو أمه أو أحد الأقربين إليه؟ هؤلاء الموتى هم أجدادنا، سواء قرب عدهم أم بعد، وسواء دفنوا في الإسلام أم قبله.

ومن يدري؟ فقد تكون تلك القبور إسلامية ولو لم توجد عليها المعالم الإسلامية، من دفنها إلى غير القبلة، أو دفنها في مقابر كهفية، وغيرها، لجهل الناس بذلك، ولو افترضنا أنها دُفنت قبل الإسلام، لماذا لا نحتمل أنهم كانوا على الدين الحق الذين كان قبل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كدين عيسى عليه السلام، ومن قبله من النبيين؟..ولماذا لا نحتمل أيضا أن يكون هؤلاء من أصحاب الفترة الذين لم يصلهم بشير ولا نذير؟..كل تلك الاحتمالات تنفي عن هؤلاء صفة الكفر التي يتغنى بها الكثير، وفي حال عدم صحة تلك الافتراضات كلها فإن الإسلام يعطي للكافر حرمته حياً وميتاً.

ومن المؤسف والمحزن أن هؤلاء النباشين معروفون لدى الجهات الرسمية، ولم نسمع أن أحدهم نال جزاءه، واتحذت بحقه العقوبات القانونية، لينال عقابه جراء ما اقترفه من جرم، وليكون عبرة للمعتبرين.

 

قد يعجبك ايضا