سقطرى…شريان الحياة الذي لا يقدر بثمن في مرمى الأطماع وتقلبات المناخ

قشن برس- حديبو

في مقال للصحفي عبد الملك النمري، سلّطت مجلة “إنسيا”، الأمريكية المتخصصة في المناخ العالمي وقضايا البيئة والتنوع البيولوجي، الضوء على التحديات التي تواجهها محافظة أرخبيل سقطرى، وخاصة أشجار دم الأخوين المهددة بالانقراض.

يتحدث المواطن عيسى الرميلي، للمجلة، بعد أن قام مؤخراً برحلة في أرخبيل سقطرى فيقول: “نحن أمام أطلال غابة شاسعة من أشجار دم التنين، ولرؤيتها يجب أن تعمل خيالك، فعلى تلك التلة المهجورة تقف ثلاث أشجار وحيدة، بأغصانها المميزة الشبيهة بالمظلة”.

وشجرة “دم الأخوين” كما تُعرف محلياً، هي من الأنواع المستوطنة في سقطرى، وهي أرخبيل غالبيته صحراء تقع جنوب شبه الجزيرة العربية، عزلة هذه الجزيرة عن مناطق الحرب التي استمرت لتسع سنوات في غالبية اليمن، حمتها إلى حدٍّ كبير من الدمار الذي لحق بالبلاد، واستطاعت الحفاظ على طبيعتها المميزة.

ونظراً لتقلص أعداد أشجار دم الأخوين، تقول المجلة تم تصنيفها كنوع مهدّد بالانقراض في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN).

وينقل الصحفي النمري عن مدیر عام الهيئة العامة لحماية البيئة في الأرخبيل سالم حواش، قوله إن تمويل المنظمات الدولية والحكومية لهيئة حماية البيئة في سقطرى قد توقّف، كما تقلّص الدعم المالي الذي كان يُقدم سابقًا للجهود المحلية لإنقاذ الشجرة النادرة.

ووفقًا لتقرير صدر عام 2021م، عن مرصد النزاع والبيئة، وهي مؤسسة خيرية مقرها المملكة المتحدة، فإن خفض التمويل هذا لا يرجع بالكامل إلى الصراع المستمر وحده، ويقول التقرير الذي نقلته المجلة: إن “المشاكل سابقة على الصراع الحالي”. “فبحلول عام 2012، ذكر الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة أن الميزانية السنوية لوكالة حماية البيئة في سقطرى كانت تقدر بخمسة آلاف دولار أمريكي، لاغير”.

ويستطرد التقرير الذي ترجمه موقع “المهرية نت” قائلاً: “يبدو أن المشاكل المتزايدة التي تواجهها الجزر بسبب جرّها إلى الصراع سيعرّض تراثها الطبيعي والاجتماعي الفريد للخطر”.

وفي الوقت نفسه، تم تحويل مبنى الهيئة العامة لحماية البيئة في الجزيرة، إلى مقرّ مؤقت من قبل القوات العسكرية السعودية، وفقًا لسكان سقطرى – وهو ما يعكس تأثير الحرب على الجزيرة، والمزيد من تهميش التنوع البيولوجي فيها.

وتشير المجلة إلى أن تفاقم هذه العقبات، إلى جانب تلك التي نجمت عن تغيّر المناخ، في مستقبل غير مؤكّد لشجرة دم الأخوين، يقول هواش “أخشى أن يكون هذا هو الجيل الأخير من هذه الشجرة المذهلة”.

وفي مواجهة حالة التخبط هذه، يحمل العديد من سكان الجزيرة مسؤولية حماية الشجرة على عاتقهم، ليتأكدوا من أن مستقبلها مضمون في الجزيرة؛ حسب المجلة.

شريان حياة لا يقدّر بثمن

أرخبيل سقطرى، الذي تم تصنيفه كأحد أكثر الأماكن تنوعًا بيولوجيًا على وجه الأرض، ضمن مواقع التراث العالمي الطبيعي لليونسكو في عام 2008، يواجه الان دمارًا بيئيًا نتيجة تغير المناخ والنشاط البشري.

ويقول المقال: شجرة دمّ الأخوين التي تعد جوهر النباتات والحيوانات الفريدة في الجزيرة وجزء من هوية سقطرى التي تميز أهلها عن بقية اليمن والمنطقة تشهد أعدادها تدهوراً مخيفًا.

ويتابع الصحفي عبدالملك النمري: أدى تأثير تغير المناخ، بما في ذلك زيادة تواتر ومدة وشدة العواصف الإعصارية، والرعي الجائر وحصاد السائل الأحمر الغامق المشهور لأغراض طبية، (الراتينج)، إلى خفض كثافة الشجرة بنسبة 44٪ في القرن العشرين.

ويقول: بينما تشير التقديرات إلى أن الشجرة لا تغطي سوى 5٪ من بيئتها المحتملة، يتوقع العلماء أن الظروف الأكثر جفافاً ستؤدي إلى خفضها بنسبة 45٪ أخرى بحلول عام 2080م.

وتتحدث كاي فان دام، عالمة الأحياء التي تشارك في الحفاظ على سقطرى منذ عام 1999 للمجلة بالقول: “فقدان شجرة واحدة من دم الأخوين يعني فقدان السياح والمياه والأدوية – والأسوأ من ذلك – فقدان هوية سقطرى”.

وفي استجابتهم لهذه التحديات، تحاول تكتلات محلية في جزيرة سقطرى المنعزلة على أطراف بلد يعد الأفقر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هذا قبل أن يصبح “أسوأ أزمة إنسانية في العالم” من منع شجرة السدرة المرغوبة من الانقراض. وهي مدرجة حاليًا على أنها نوع مهدد بالانقراض في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، وفق المجلة.

وتتابع: “بينما يستمر الصراع على السلطة في اليمن بين الأطراف المتحاربة، فلا تزال الرحلات الجوية التي تربط بين أبوظبي وسقطرى تجلب زوارًا مغامرين حريصين على الاستمتاع بالمناظر الطبيعية الساحرة للجزيرة وشجرتها الفريدة”.

في أرخبيل يعيش فيه معظم السكان تحت خط الفقر، وفرص العمل نادرة، فإن السياحة البيئية هي شريان حياة لا يقدر بثمن، إذ ازداد عدد السياح الذين يزورون الأرخبيل من أقل من 200 في عام 2001م إلى أكثر من 3700 في عام 2010م، وفق المقال.

وتحدث النمري أن سقطرى شهدت انخفاضًا في عدد الزوار بعد عام 2010م بسبب الاضطرابات السياسية والمخاوف الأمنية، إذ زار الجزيرة العام الماضي حوالي 5000 سائح، وفقاً لمسؤولين في وزارة السياحة.

يقول الرميلي للمجلة: “يأتي السياح من جميع أنحاء العالم إلى قرانا النائية لقضاء أيام بين هذه الأشجار”. “إذا فقدنا هذا، فماذا سيكون مصيرنا؟”.

محور التنوع البيولوجي

بدأت جهود إنقاذ شجرة دم الأخوين قبل 27 عامًا عندما قام أديب عبد الله، الذي أصبح الآن في الثمانينيات من عمره، بإنشاء مشتل نباتات في حديقة منزله بالقرب من حديبو، وهي بلدة ساحلية صغيرة في سقطرى.

وتعتبر المجلة أن المشتل كان بمثابة ملاذ لنمو الشتلات حتى تنمو دون أن ترعى أو تحصد، وكان يعد أنه أول مبادرة مجتمعية للحفاظ على النباتات المستوطنة والمهددة بالانقراض في الأرخبيل.

وتضيف: “منذ ذلك الحين، ظهرت عدد من المبادرات الأخرى لحماية شجرة دم الأخوين، وتمكّنت إحدى المبادرات من زراعة ما يصل إلى 600 شتلة على مدى السنوات العشرين الماضية”.

وتتحدث فان دام للمجلة إن هناك حاليًا أكثر من 80 ألف شجرة من دم الأخوين، والتي يمكن أن تعيش لمئات السنين. لكن معظمها زرعت قديماً وأصبحت معمرة جدًا، بينما يندر أن تكبر الأشجار الصغيرة وتستمر في نموها، وتتعرض للتلاف مبكراً.

وفقًا للباحثين، فإن مظلة شجرة دم الأخوين توفر الظل والماء للنباتات النادرة الأخرى التي تنمو حولها، حيث تمتص رطوبة تعادل أكثر من 40٪ من هطول الأمطار السنوي في الجزيرة؛ لذلك، تُعد الشجرة محورية للتنوع البيولوجي في سقطرى، حيث 37٪ من النباتات و 90٪ من الزواحف مستوطنة؛ حسب المجلة.

حيث تنتمي الأشجار

وتتابع المجلة: “الآن يجذب مشتل عبد الله زوارًا من جميع أنحاء العالم. يقول عبد الله: “إنهم يأتون إلى المشتل بحثًا عن هذه النباتات النادرة، وخاصة شتلات دم الأخوين، ويأخذون الصور لأغراض البحث أو الذكريات”.

“بهذه الطريقة، يعقب عبدالله، يستفيد المرشد السياحي وسائق السيارة وصاحب الفندق وأنا. يجذب التنوع البيولوجي الفريد والمناظر الرائعة السياح. ولكن إذا اختفى هذا، لن يأتينا أحد”.

تعمل عائدات السياحة على مساعدة سكان سقطرى على تحمّل تكاليف الخدمات الأساسية التي غالبًا لا تتوفر في الجزيرة؛ وبينما يقوم اللاعبون الإقليميون المشاركون في الحرب ببناء مدارس ووحدات طبية وتوفير الكهرباء كجزء من خطط التنمية التي يتنافسون فيها على السيطرة على الجزيرة الاستراتيجية، تظل المرافق العامة في سقطرى نادرة؛ تقول المجلة.

وتضيف: “على سبيل المثال، لا تزال زوجة عبد الله وأولاده بحاجة إلى القيام برحلات يومية إلى آبار بعيدة لجلب مياه الشرب، وكذلك جمع الحطب حتى يتمكنوا من الطهي”.

يقول محمود فتحي، وهو مصور محلي، للمجلة، “إن سكان سقطرى ما زالوا بحاجة إلى السفر خارج الجزيرة لتلقّي الرعاية الطبية والعمل والدراسة. “هذه رحلة تستغرق يومين أو ثلاثة أيام في البحر، أو رحلة جوية أسبوعية باهظة الثمن بالنسبة لمعظم الناس.” ويقول واصفاً وضع الجزيرة بأنها لا تزال “مهمشة ومعزولة”.

وينظر الكثيرون في سقطرى على نطاق واسع إلى شجرة دم الأخوين، والتنوع البيولوجي الذي تعزّزه على أنه صلتهم بالعالم من خلال السياحة والاهتمام الدولي العام؛ وفق المقال.

واعتبر النمري في مقاله للمجلة أن “انخفاض التمويل الحكومي يجعل المبادرات المحلية مثل مبادرة عبد الله أكثر أهمية، ويقول: “على الرغم من جهوده لإنقاذ أشجار دم الأخوين، لا يزال عبد الله قلقًا بشأن المستقبل. يخشى أن لا يتمكن أطفاله من نقل الأشجار إلى موطنها الجبلي خارج حدود المشتل”.

يختم عبدالله حديثه للمجلة بالقول: “نحن ننتظر الدعم لمساعدتنا على نقل الشتلات إلى الجبال”، وهي خطوة تتطلب وسائل النقل والمعدات التي يقول إنها غير متوفرة لديهم، ولكن الجبال هي المكان الطبيعي الذي تنتمى اليه الأشجار، كما يقول.

اترك تعليقا