المهرة.. ضريبة الأعاصير والتغيرات المناخية

صفية مهدي

مع كل تحذير تطلقه مراكز الأرصاد ومراكز مراقبة الأعاصير في المحيط الهندي والبحر العربي، تتجه الأنظار يمنياً إلى محافظتين أساسيتين تقعان في طريق أي إعصار أو منخفض جوي يتشكل في المحيط، ويثير أول ما يثير فزع سكانهما: الأولى، سقطرى، الأرخبيل الأكبر عربياً في ملتقى المحيط وبحر العرب. والثانية، هي المهرة الحدودية مع سلطنة عُمان والتي نالها قدر أكبر من الخسائر. لكن ما الذي يجعل هذه المحافظة (المهرة) في مقدمة المناطق المرتبطة بالتغيرات المناخية والأعاصير؟، وكيف يمكن تقييم الحلول أو الاستجابة الحكومية لهذا التحدي؟

وعند النظر إلى الخارطة اليمنية، يمكن ملاحظة أن مساحة مفتوحة وواسعة من الماء تشرف عليها محافظة المهرة، ثاني أكبر المحافظات مساحة بعد حضرموت، والمحطة التالية أو المحاذية في طريق الأعاصير الغاضبة وما يليها حتى محافظة شبوة وأبين، الأمر يقل في المحافظات اليمنية الساحلية الأخرى التي تتأثر بدرجة ثانية بالمنخفضات الجوية والعواصف المدارية، إذ يبدو القرن الأفريقي بالنسبة للمحافظات الأخيرة، كما لو أنه حماية طبيعية تُهدِّئ من قوة بعض الأعاصير التي تنشأ في المحيط.

وتجدر الإشارة إلى أن التركيز في هذا السياق على محافظة المهرة أو المناطق الأكثر تضرراً، لا يعني بطبيعة الحال أن أضرار التغيرات المناخية المرتبطة بهذا النوع من التحولات تنحصر فيها، إذ أنه مع كل إعصار أو منخفض جوي شهده اليمن، وصلت التأثيرات إلى المحافظات الساحلية وغير الساحلية، من خلال موجات الأمطار الغزيرة والسيول التي خلّفت أضراراً متفاوتة في مختلف المحافظات وفي البنى التحتية الهشة أساساً بالنسبة لبلد نامٍ كاليمن، انهارت فيه الكثير من الخدمات إلى حد كبير.

عوامل مختلفة

إذا كانت الأعاصير والعواصف التي ضربت المهرة مصدرها الطبيعة ومن خارج الحدود، فإن آثارها وطرق التعامل معها لا يمكن فصلها عن الظروف التي يعيشها البلد، بشكلٍ عام، وقبل ذلك الظروف السياسية والعوامل الديمغرافية المرتبطة بالمحافظة.

إذ أن المهرة على الصعيد السكاني كانت، إلى وقت قريب، من بين أقل المحافظات من ناحية الكثافة السكانية مقارنة بالمساحة الواسعة، أما في الجوانب الخدمية فقد عانت من الإهمال الحكومي وتبعات الموقع الجغرافي البعيد نسبياً عن مركز الدولة، سواء في عدن قبل الوحدة أو بعد إعادة توحيد اليمن في عام 1990، بما جعلها أقل حظاً بالمشاريع الخدمية والبنية التحتية المناسبة.

في هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن المهرة ظلت محافظة تعاني من صعوبة الطريق الذي يربطها مع بقية المحافظات، حتى عام 2006، تاريخ افتتاح الطريق الاستراتيجي إلى المحافظة، وجاء بالترافق مع الحركة التي تشهدها المحافظة خلال ما يقرب من عقدين، حيث استقبلت عاملين وتجار وأصحاب مشاريع متوسطة إلى صغيرة، من مختلف المحافظات. ومنذ عام 2015، ارتفعت وتيرة النزوح السكاني إلى المهرة، لكونها المحافظة الوحيدة التي نجت من الحرب المتصاعدة.

هذه الأهمية دخلت مرحلة جديدة مع حضور التحالف ممثلاً بالمملكة العربية السعودية بشكل خاص، إلى جانب التأثير العُماني الذي يسبق هذا الحضور. وبعيداً عن الاستقطاب السياسي الذي رافق كل ذلك، حظيت المهرة بالعديد من المشاريع المدعومة سعودياً، مثلما حافظت الحكومة اليمنية على حضورها في المحافظة في مختلف المحطات، على الأقل بالمقارنة مع المحافظات الأخرى التي تراجع فيها هذا الحضور.

انعكاسات الجغرافيا

تتميز المهرة بمناخ جاف وصحراوي، حيث تكثر الأراضي الرملية والمناطق الصحراوية، ويتسم المناخ فيها بارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، وتقسم من حيث التضاريس إلى ثلاثة أقسام هي: السهل الساحلي والهضبة الوسطى (المناطق الجبلية)، والصحراء الشمالية المحاذية للربع الخالي، والسهل الساحلي الجنوبي – الهضبة الجبلية الوسطى – الصحراء الشمالية. وعلى الرغم من الأعاصير التي عادة ما تلحق الأضرار في الأجزاء الساحلية(1)، تعاني المحافظة من شح الأمطار، باستثناء منطقة حوف، التي تعد محمية طبيعية ومن أجمل المناطق اليمنية.

وعند الحديث عن الموقع المداري للمهرة وساحلها الممتد على بحر العرب والذي يجعلها عرضة للأعاصير، لا يمكن التطرق إليه بمعزل عن الجار الشرقي لليمن، إذ أن المهرة تقع على حدود أحدث أكثر الدول العربية تأثراً بالأعاصير في العقود الأخيرة، وهي سلطنة عُمان، والتي كان أعنف إعصار تعرضت له في عام 2007.

لكن الملاحظ أن التغيرات المناخية جعلت المهرة عُرضة للتهديدات بشكل مسبوق. فعلى سبيل المثال، تعرضت المحافظة لإعصارين في عام 2015 هما “ميغ” و”تشابالا” – الأخير كان الأعنف، كما تعرضت لثلاثة أعاصير في عام 2018 وهي “ساجار” و”مكونو” و”لبان”، ليصل عدد الأعاصير التي تعرضت لها المحافظة بين 2011 و2020، إلى 6 أعاصير في مقابل 3 أعاصير فقط سُجلت في العقد الذي سبقه وهي أعاصير “أرييل” 2001، و”جونو” 2007، و”فيت” 2010.

وقد تسببت الأعاصير في خسائر بشرية، حيث توفى العشرات ونزح الآلاف، إلى جانب دمار واسع ومتفاوت مع كل إعصار، تصل أضراره إلى نحو 90 بالمائة من البنية التحتية كما حدث في إعصار “لبان”، الذي خلّفت السيول الناتجة عنه “أضراراً جسيمة في الطرق ودمرت ما نسبته 90 بالمائة من الشبكة الداخلية للكهرباء وشبكات المياه والبنى التحتية بالإضافة إلى تدمير منازل المواطنين”(2). في حين تسبب الإعصار الأخير “تيج” في وفاة شخصين على الأقل وإصابة 150 آخرين، إلى جانب أضرار كبيرة في الممتلكات العامة والخاصة والبنية التحتية مثل الطرق والاتصالات وغيرها، كما نتج عنه نزوح نحو 10 آلاف شخص، في مديريتى الغيضة (مركز المحافظة) وحصوين، وهما أكثر المناطق تضرراً من الإعصار.

ويؤكد رئيس هيئة المصائد السمكية في المهرة عبدالناصر كلشات (في حديث للمركز) أن الأعاصير أثرت على الممتلكات العامة والمباني المتواجدة على الشريط الساحلي، إضافة إلى ممتلكات الصيادين رغم تعاملهم الواعي، لكن الأضرار جاءت نتيجة لطبيعة الأعاصير التي تكون فيها كمية المياه عالية لدرجة تؤدي إلى تغير مجرى السيول في بعض الأماكن. وقد وصلت خسائر الصيادين والقطاع السمكي إلى ما يتجاوز المليون دولار تقريباً، حسب بعض التقديرات، وذلك نتيجة الإعصار الأخير فقط.

تدخلات محدودة

بالتوقف مع أحدث الكوارث التي لحقت بمحافظة المهرة، والمتمثلة بإعصار “تيج” في شهر أكتوبر 2023، بدا الحضور الرسمي ملموساً منذ الأيام الأولى، من خلال زيارة قام بها رئيس مجلس القيادة الرئاسي وعدد من المسئولين إلى المحافظة، للإشراف على إجراءات مواجهة الإعصار وحصر الخسائر وإصدار التوجيهات اللازمة للمعالجات. هذا الحضور لم تخل منه حوادث سابقة، على صعيد زيارات لرئيس الحكومة وبعض الوزراء، للمتابعة وإصدار التوجيهات اللازمة بشأن الإغاثة.

وبصورة مجملة، تنحصر الجهود الحكومية في الإجراءات التي عادة ما تسبق وصول الإعصار، وذلك عبر تشكيل لجان طوارئ، والتنسيق مع السلطات المحلية التي تتخذ بدورها العديد من الإجراءات وتقوم بتشكيل لجان معنية على مستوى المديريات، في حين يغيب الحضور الفاعل على صعيد التعويضات والمعالجات وعلى مستوى الخطط الاستراتيجية فيما يتعلق بالبنية التحتية، التي يجب أن تراعي المشاريع فيها التهديدات المناخية، لتقليل التأثيرات المباشرة للأعاصير المدارية والمنخفضات الجوية.

وبينما تُقدر تقارير السلطة المحلية الخسائر التي خلّفتها الأعاصير في البنى التحتية والممتلكات العامة بنحو 139 مليون دولار، يرى مسئولون محليون أنه لا توجد استجابة حقيقية من جانب الحكومة، بقدر ما هناك تدخلات من قبل السلطة المحلية بإنشاء دفاعات لحماية أجزاء من مدينة الغيضة مركز المحافظة، وكذا ترميم المدارس وتجهيزها، فضلاً عن الوحدات الصحية والطرق والجسور، في حين لا تقدم تعويضات للمتضررين، رغم اللجان الحكومية والتصريحات التي يدلي بها المسئولون في هذا الشأن.

ومن الطبيعي أن الحديث عن الاستجابة الحكومية في اليمن في ظل الوضع الذي يعيشه منذ سنوات، تفرض التطرق إلى الدور الإغاثي والتنموي الذي لعبه التحالف ممثلاً بالسعودية في المهرة وكذلك الإمارات، مع الإشارة إلى الدور الإغاثي العُماني، الذي ينطلق من روابط الجغرافيا، لكن تبقى المهرة رغم كل ذلك، دون تدخل فاعل يعالج الأضرار ويقلل من العوامل المسببة لها.

خلاصة القول، من الواضح أن محافظة المهرة التي ظلت الأقل تضرراً بالحرب بشكل مباشر، تدفع ثمن الموقع المداري والتغيرات المناخية، في ظل بنية تحتية هشة، ودور حكومي يكاد يكون منعدماً. ومن هنا، لاتزال المهرة تشكو من عدم ارتقاء المعالجات إلى حجم الأضرار من جهة، وغياب الاستجابة الاستباقية المفترض أن تتم من خلال مشاريع بنية تحتية قوية من جهة أخرى. والأخطر من ذلك، يقول مسئولون محليون إنه مع إعصار “تيج” الأخير، هناك تحول في مجرى السيول يجعل المحافظة عُرضة لمزيد من الأضرار في أي منخفضات مدارية أو أعاصير مقبلة.

وإذا كانت ظروف ما قبل الحرب في اليمن قد جعلت من المهرة محافظة ثانوية وأقل حظاً بالحضور، فإن الظروف تبدو مواتية في الوقت الحالي، بحيث تسمح للحكومة والجهات الإقليمية والدولية الفاعلة بالحضور الفاعل وتقديم الدعم المطلوب للمحافظة، لمواجهة التحديات المناخية والنهوض بالمحافظة التي باتت ساحة اختبار حقيقية لفاعلية الجهود الحكومية وجدية الجهات المانحة والداعمة، بعيداً عن تأثيرات الحرب المباشرة.

المصدر: مركز اليمن والخليج للدراسات

 

اترك تعليقا