كيف تغلب “محمد مجمل” على الإعاقة وحقق النجاح في دراسته وعمله الحكومي؟!

قشن برس – تقرير خاص

“ذوو الإعاقة اليوم لايريدون مساعدات من أحد، بل يحتاجون من يعطيهم أدوات ووسائل النجاح فقط ليشقّوا طريقهم”.

بهذه العبارة يفتتح الرجل الأربعيني والأب لولدين، محمد صالح مجمل، حديثه لموقع “قشن برس” حول حكايته وحياته مع الإعاقة .

يحب أن يلقبه الناس بـ (أبو صقر)، فقد تحدّى محمد الإعاقة ليصبح اليوم واحداً من المسؤولين في المهرة، شاغلاً منصب رئيس قسم المخالفات بصندوق النظافة والتحسين في المحافظة.

يحكي “أبو صقر” حكايته مع الإعاقة، وكيف تغلب عليها، واستطاع أن يحصل على وظيفة كان يحلم بها كأي شخص سليم يتمنى الحصول على الوظيفة .

يقول محمد: “بدايتي مع الإعاقة كانت منذ أن كان عمري ثلاث سنوات عندما شعر والدي بأنني تأخرت في المشي، فذهبوا بي إلى الطبيب ليكتشفوا أنني مصاب بفيروس شلل الأطفال، وكان ذلك الوقت تحديداً في السبعينات، حيث تنتشر الكثير من الأمراض المزمنة، ومنها شلل الأطفال الذي شلّ حركة قدمي، وهكذا كبرت وكبرت معي الإعاقة فأصبحت عاجزاً عن السير .

لم يستسلم محمد للإعاقة أو يقعد في بيته لينتظر مساعدة من أحد بل قرّر أن يتعلم ويدرس كبقية أصدقائه الآخرين فأكمل مراحل تعليمه الأساسي والثانوي وصولاً إلى المعهد المهني في عدن، وتحصل على درجات عليا في مختلف مراحل التعليم التي خاضها .

يواصل محمد الحديث قائلاً: كنت  أشارك في النشاطات اللاصفية التي تقيمها المدرسة، ووجدت دعماً كبيراً من أهلي وأصدقائي والمعلمين فحققت درجات عليا، وأكملت جميع مراحل الدراسة حتى اخترت التخصص الذي كنت أرغب به وهو تخصص علوم الحاسوب.

لم يكتفِ محمد بما تعلمه في المدرسة فقط بل أخذ على عاتقه أن يطور من نفسه وقدراته من خلال التسجيل في بعض الدورات التأهيلية والتدريبية في مجالات عدة .

يقول أيضاً: ما أخذته في مراحل الدراسة لم يكن بالأمر الكافي فذهبت وسجلت في بعض الدورات التدريبية في مجال الكمبيوتر والإدارة والتصميم، ما جعلني أكتسب خبرة مهنية وإدارية .

ولم تمثل الإعاقة في يوم ما عقبة أمام طموحات محمد الذي اتخذ من الجانب الإعلامي هوايته المفضلة فهو شغوف بالتصوير كثيراً ويحب أن يكون له صوت مسموع في الإذاعات المحلية.

يتابع محمد حديثه: بدايتي في مجال الإعلام كانت عبارة عن بعض المقالات التي أكتبها عن ذوي الإعاقة وأقوم بإرسالها إلى بعض الصحف المحلية التي كانت تفتح في صفحاتها زوايا خاصة بالقراء، كصحيفة 14 أكتوبر والطريق والأيام التي كانت تصدر من عدن، والحمدلله وجدت تفاعلاً كبيراً من القراء ماشجعني على الاستمرار في كتابة المقالات .

لم يتوقف طموح محمد عند كتابة المقالات، بل أحب جانب التصوير الفوتوغرافي، فتجده دائماً حاضراً في أغلب المناسبات خصوصاً المتعلقة بذوي الإعاقة، حاملاً كاميراته الخاصة، يلفها حول عنقه، ينتظر ويترقب الوضعية المناسبة ليقتنص صورة معبرة لها دلالاتها الخاصة .

ويواصل محمد: أحببت فن التصوير ، فأنا أهوى دائماً التقاط الصور المعبرة والمؤثرة، والتي يكون لها صدى وتأثير أبلغ من الكلام .

وعن تجربته الإذاعية في تنسيق وتقديم عدد من البرامج بإذاعتي عدن والمهرة؛ يقول محمد: أول مشاركة لي في الإذاعة كانت بإذاعة عدن حين شاركت في تنسيق برنامج النور والأمل والذي كانت تقدمه المذيعة أمل بلجون، وكانت أمنيتي أن أكون ولو مشاركاً في تقديم أي برنامج إذاعي لكن لم تتح لي الفرصة بوجود عدد من الكوادر الإذاعية في ذلك الوقت .

لم يستسلم محمد لذلك فقد أصر وعزم على أن يكون له صوت مسموع خاص في الإذاعة، فكان له ما أراد عندما انتقل إلى محافظة المهرة قبل اثنتي عشرة سنة .

يقول: في العام 2010 م انتقلت أنا وأسرتي إلى محافظة المهرة لوجود والدي هناك في ذلك الوقت، ورأيت أن صوت الأشخاص ذوي الإعاقة غير مسموع في الإذاعة، فأخذت زمام المبادرة وقلت لابد أن يكون صوتنا مسموعاً، فقمت بتغطية نشاط الفئة وقدمته على شكل برنامج أسبوعي في إذاعة المهرة .

ولم تكن الإذاعة بالنسبة لمحمد كافية للعمل فيها فهو يعدها مجرد هواية فقط فقرر أن يبحث عن وظيفة يستقر بها ويؤمن بها مستقبله، فيقول: عندما انتقلت إلى المهرة قدمت أوراقي وملفي للعمل في صندوق النظافة والتحسين، وكنت أقول في نفسي ماذا عسى شخص يعاني الإعاقة أن يعمل في النظافة، وكنت قلقاً أن يتم رفضي، ولكن في النهاية تم قبولي للعمل كضابط محضر للعاملين في الصندوق .

مرت الأيام، يقول محمد، وشعرت أنني لم أعد أرغب بالعمل كضابط محضر، ففكرت أن أجد عملاً يناسبني، وبالفعل وضعت فكرة إنشاء قسم خاص بالمخالفات وقدمتها مباشرة لمدير الصندوق الذي قبل الفكرة واستحسنها وعينني رئيساً مباشراً لهذا القسم، وأنا واليوم والحمدلله أترأس هذا القسم منذ تأسيسه .

وبالرغم من الإعاقة يحاول محمد أن يثبت للآخرين أن لاشئ مستحيل في هذه الحياة، ففي بداية العام 2021 عندما اشترى سيارة خاصة به، وواجه بعض الردود غير المنطقية يقول: أخبرت بعضاً من أصدقائي برغبتي في شراء سيارة خاصة، فقالوا لي: أنت مجنون! كيف ستقود سيارة وأنت مشلول الرجلين، فقلت لهم: سأحول ذلك الجنون إلى واقع حقيقي، وبالفعل قمت بشراء السيارة وأصبحت شيئا فشيئاً أقودها لمسافات طويلة، وأصدقائي ينظرون إليّ نظرة تعجب!.

ويمضي محمد مجمل قائلاً: قبل أن أقود السيارة تواصلت مع أحد أصدقائي ممن يعملون في هندسة السيارات فقلت له هل ممكن أن أقود السيارة بيدي فقط دون استخدام الرجلين فقال لي نعم ولكن ربما قد تكلفك الكثير فقلت: هذا لايهم .

وبالفعل قام بتعديلات إضافية في السيارة، حيث قام بتوصيل الفرامل ودعسات السرعة في توليفة مركبة تكون جميعها تحت المقود مباشرة ويتم التحكم بها باستخدام اليد فقط دون استخدام الأرجل .

هذا هو محمد أبو صقر، الشخص الذي يمشي على كرسي متحرك لايستطيع المشي على قدميه، بات يعرفه   الكثير في محافظة المهرة..، لم يكل ولم يتعب بل كافح في وقت تمر فيها البلاد بظروف صعبة، بشكل عام وذوي الإعاقة بشكل خاص، كما تزيد من معاناتهم نظرة المجتمع لهم.

يقول محمد عن هذه النظرة إنها للأسف الشديد نظرة قاصرة، وذلك يؤلمنا كثيراً بل ويقتل فينا الكثير من الإبداعات والمواهب التي وهبنا الله إياها .

ويختتم محمد حديثه إلينا، وعيناه مملوءتان بالكثير من التفاؤل: لا شيئ مستحيل في هذه الحياة، والذي يعترف بالمستحيل فهو مجرد إنسان عاجز، وخاطب ذوي الإعاقة بعدم اليأس والاستسلام لواقع الحياة، إذ لابد من الانطلاقة بروح التفاؤل فكثير من ذوي الإعاقة اليوم تميزوا بل ووضعوا بصماتهم في هذه الحياة .

قد يعجبك ايضا