رحلة معلميّ مدرسة الزهراء في رحاب سواحل وغابات سقطرى الجنوبية

قشن برس- صالح الحجار

في تمام الساعة الحادية عشرة ظهرا، اجتمعت هيئة التدريس عند بوابة مدرسة الزهراء، والجميع يحدوه الشوق والحنين للخروج في رحلة ترفيهية نحو وديان سقطرى، وسواحلها وغاباتها الجنوبية.

توزع معلمو المدرسة البالغ عددهم 17 مدرساً داخل أربع سيارات، وبدأت الرحلة تشق طريقها من البوابة الغربية للعاصمة حديبوه وفق مخطط رسمه الفريق التربوي، وتبدأ لحظة الانطلاق يوم الخميس وتنتهي مساء السبت، في رحلة مجهزة بالعدة والعتاد.

محافظات يمنية عدة ينتمي إليها الفريق التربوي إلى جوار سقطرى، بالإضافة إلى أن خمسة منهم من جمهورية مصر العربية، لتكون الرحلة ممزوجة بنكهة أرض الكنانة وبخور سقطرى اليمنية وجمالها العالمي الفريد.

كانت الشمس حينها ترسل على مدينة حديبوه شعاعها العمودي الممزوج بضوئها الذهبي الذي شكل مع بيئتها الطبيعية والخضراء آية في الجمال.

مع حلول فصل الشتاء تلبس الأرخبيل ثوبها الأخضر المعطر برائحة أشجارها النادرة وأزهارها المتزينة باللون البنفسجي، ورائحة العطر التي تنشرها ورودها الصفراء في كل مكان، والتي ما إن تشتم رائحتها حتى تغمرك السعادة وتزيد من حنينك نحو جمال الأرخبيل والجنان التي تنفرد بها دون غيرها من بقاع الأرض.

شقت الرحلة طريقها وبعد ساعة من السفر بدأ الجميع يتحدثون عن الشعور بالجوع ويتساءلون عن المسافة التي تفصلهم عن المكان الذي من المقرر أن يتم فيه تناول وجبة الغداء.

كانت المناظر الساحرة تنسي الجوع، فالجميع يحرص على التقاط صور تذكارية للمناظر الطبيعية أو الحيوانات والطيور والنادرة وغيرها من الحياة الفطرية التي تزخر بها بيئة الأرخبيل.

في برنامج الرحلة تم تحديد منطقة “دكسم” مكانا للاستراحة وتناول وجبة الغداء، والتي تبعد عن العاصمة حديبوه بضعاً وخمسين كيلومتر تقريبا.

اقتربت السيارات الأربع من هضبة دكسم وبدأت تتجلى أمامهم غابات شجرة دم الأخوين، التي تزين المنطقة بشكلها المظلي، وعند وصلولهم أخذوا يسرحون ويمرحون تحت أفيائها التي أنستهم الجوع وأخذت من وقتهم حتى حل موعد العصر.

سارع الجميع نحو المركبات وبدأ السائقون بعبور الهضبة حتى وصلوا إلى بطن وادي (زارج ) التابع لهضبة دكسم ذاتها، وهناك تناولوا وجبة الغداء وصلّوا فروضهم، ثم قرروا مواصلة المسير.

وبينما الرحلة مستمرة في قطع طريقها بدأت أشعة الشمس تتهادى شيئا فشيئا، وألوان الغروب الممزوجة باللون الأصفر والأحمر تحيط بها والجميع تائهون يرسمون أحلامهم الوردية ويستعيدون شريط الذكريات وكل لحظة جميلة مرت في حياتهم وفي وجوههم ترتسم معاني الفرح والحب الصادق للوطن والأرض والإنسان.

تقرر المبيت –وفق البرنامج– في قرية دسبرهو التابعة لمنطقة قعرة التي تقع أقصى السهل الساحلي الجنوبي الغربي للجزيرة وتبعد عن العاصمة حديبوه أكثر من مائة وخمسين كيلو متر، والطريق المعبد ينتهي مباشرة أثناء النزول إلى سهل نوجد في قرية ستاروه.

وبعد انتهاء الطريق المعبد دخلنا في طريق ترابية لم نستطع فيها الحركة كيف ما نريد، لكننا تابعنا المسير نسابق الوقت والشمس أمامنا ترسل إشارات الوداع وسرعان ما اختفت في البحر.

وبعد مرور ساعة ونصف على غروب الشمس حطينا رحالنا في شواطئ ” قرية دسبرهو الجميلة والباردة، وهناك نصبنا مخيماتنا وبعدها قام كل أفراد الفريق بمهام إعداد وجبة العشاء، وكانت من أجمل اللحظات وألذ الوجبات التي زادت من حلاوتها نكهة الشاي الحضرمي، ومذاقه الرفيع.

استيقظنا صباح اليوم التالي على نشاط كبير وأجواء هادئة ومفعمة بالحيوية والنشاط على شواطئ قرية دسبرهو، وأمام أنظارنا نرى جزيرتي سمحة ودرسة تسران الناظرين.

قبل أن نشرع في إعداد وجبة الصبوح، جاءنا عدد من شباب قرية ” دسبرهو” يحملون في أيديهم خبز التنور الذي يعد بطريقة فريدة وتناولنا معهم وجبة الإفطار وجادوا علينا بواجب الكرم الذي تنفرد قرى وبوادي أرخبيل سقطرى.

قررنا بعدها مواصلة رحلتنا الثرية بالكثير من المناطق الجميلة، وكانت وجهتنا القادمة وادي “بربهر” الذي يقع خلف القرية ببضعة كيلومترات، ويقع فيه أشهر وأطول  شلال في الأرخبيل.

وصلنا إلى ضفاف الوادي وإذا بمجموعات أخرى قد سبقتنا إلى داخل المكان الثري بالكثير من المناظر الخلابة التي تدفع الناس نحو تحمل مشقات السفر والطريق الوعرة لكي يتنفسون عبير الحياة ويبتعدون بضع ساعات عن ضجيج المدن ومشاكل الحياة.

ويشهد الوادي إقبالاً واسعاً من مختلف مناطق سقطرى، لكن مساحة وتفاصيل وادي بربهر الجيولوجية  والبيئية تسمح له باستقبال مجموعات عديدة في وقت واحد.

اتخذنا من إحدى الأشجار الكبيرة مكانا لنا لنستظل تحتها على ضفة الوادي، وكان معظم الرفاق حينها منبهرين بأشجار الوادي الكثيفة، والطرب الصادر من البيئة الغنية بالتنوع الحيوي.

كانت زقزقة العصافير وترانيم الطيور الأخرى تطرب مسامعنا، وخرير الماء وحثيث الأشجار الباسقة تجعل من المكان مسرحاً جميلاً، إضافة لما  تحتويه بيئة الوادي المدهشة والنقية.

كان الجميع يشعرون براحة البال، ويستمتعون بالغوص في المسابح العذبة التي كونتها المياه الجارية، كما سارع البعض من المعلمين نحو التسلق في الأشجار العالية لأخذ صور تذكارية لهم وللغابات الجميلة داخل الوادي.

أقمنا بعدها حفلة شاي وقهوة لا يمكن أن تمحوها الأيام من الذاكرة، ومما زادها جمالا الأحاديث والقصص الأسطورية والفكاهية.

وبينما كان الزملاء يتبادلون الحديث قررت صعود الوادي إلى الشلال، بين المياه الجارية والصخور الكبيرة، ولأنني اعتدت التسلق على مثل تلك الالتواءات والمنحدرات والصخور استطعت أن اتجاوزها رويدا رويدا حتى وصلت إلى الشلال، والتقطت له عددا من الصور بعد أن اغتسلت من ماء الشلال البارد ثم عدت إلى موقعنا وهناك وجدت الزملاء يطبخون وجبة الغداء، ورائحة كبسة اللحم الحضرمية تغطي المكان.

وبعد استراحة قليلة خلال ساعات الظهيرة، قمنا لأداء صلاة العصر وبدأنا نرفع أمتعتنا مقررين الرحيل وتوديع شلالات وادي بربهر السياحي، على أمل العودة إليه في المواسم القادمة.

اتجهنا نحو منطقة “نوجد” وهناك قررنا المبيت، وبعد وصولنا إلى قرية “بدهوله” الساحلية حيث تغطيها كثبان الرمال البيضاء، وفيها استراحة تعود لأحد وجهاء القرية وتحتوي على مساكن مصنوعة من سعف النخيل ولها أعمدة إسمنتية مثبتة على زواياها الأربع، إضافة لبئر ماء عذبة قديمة عمرها أكثر من قرن.

اخترنا مكاناً يتسع للجميع، وافترشنا رمالها الناعمة والبيضاء، وقضينا ليلتنا بأجمل الحكايات والقصص، والمواقف المحرجة والجميلة والمضحكة التي صادفتنا في حياتنا.

وعندما اكتملت جلستنا المحفوفة بالذكريات، قررنا الخلود إلى النوم حتى صباح اليوم التالي “السبت” وهو اليوم الأخير في رحلتنا، وفقا للبرنامج المعد مسبقا. وبعد أن تناولنا وجبة الإفطار اتجهنا في تمام الساعة العاشرة صباحا نحو وادي “أيرة” الذي يقع قبالة المركز الإداري لمنطقة ساحل “نوجد”.

وفي طريقنا نحو الوادي، تعمدنا المرور على أحواش الرعاة، وابتعنا من أحد الرعاة رأسين من الأغنام واتجهنا مباشرة إلى باب الوادي وحطينا رحالنا في كهف كبير على طرف المياه الجارية للوادي الذي ينبع من التقاء وادي دأرهور ووادي دعرهو، ليصب وادي أيره في وسط السهل الساحلي لمنطقة نوجد ثم إلى البحر.

وبعد استراحة قليلة اغتسلنا من مياه الوادي العذبة، واختار الجميع ثلاثة من المعلمين لديهم خبرة في تحضير الغداء، والبعض قاموا بالذبح، فيما قام البقية بالمهام الموكلة إليهم، وفي الساعة الثانية ظهرا كانت سفرة الأكل جاهزة.

وما أن بدأنا بالأكل حتى جاءت زخات المطر لترسم أجواء باردة زادت من لذة الأكل، وتكونت غيوم سوداء في السماء لتنذر باقتراب موعد المطر الغزير.

وأكملنا وجبتنا على وجه السرعة ثم قمنا برفع الأغراض إلى داخل السيارات، والانسحاب من الوديان التي تحولها الأمطار إلى سيول غاضبة تأخذ ما أمامها وتقطع الطرقات.

كان قرارنا صائبا فعندما بدأنا بالخروج من الوادي جادت السماء بأمطار غزيرة، لنصل بعد ذلك إلى الطريق المعبد. واصلنا المسير ثم صعدنا عقبة برك دشبهن، حتى وصلنا هضبة “دكسم” وفيها وجدنا المطر غزيزاً والضباب الكثيف تسبب في انعدام الرؤية، الأمر الذي دفع السائقين لتشغيل نور السيارات خوفا من أي تصادم قد يحصل مع المركبات القادمة من الجهة المعاكسة.

وفي هضبة “دكسم” ختمنا آخر برامج رحلتنا، وفيها تناولنا القهوة والشاي، وقد اتفقنا في هذه المحطة الأخيرة تقييم الرحلة، والتقاط صور جماعية مع أشجار دم الأخوين، ولكن الأمطار حالت دون ذلك.

وبعد أن خرجنا من هضبة “دكسم” توقف المطر وخرج الجميع يشيدون بالرحلة ولمدرسة الزهراء التي قدمت الكثير من أجل استعادة نشاط معلميها.

وبعد نصف ساعة من الحديث عاد المطر من جديد والسحب تغطي الطرقات حتى أصبحت مظلمة، استأنفنا المرور بشكل بطيء حتى وصلنا إلى السهل الشمالي وهناك فارقتنا السحب، لكن الأمطار لم تفارقنا حتى وصلنا العاصمة حديبوه بعد الغروب ترافقنا السلامة واللحظات السعيدة التي قضيناها في رحاب جنة الطبيعة “سقطرى”.

قد يعجبك ايضا