جامع “علها” في سقطرى..معلم أثري دمرته الأمطار وأفناه الإهمال

قشن برس – أحمد الرميلي

أكلت الأمطار غالبية مكوناته، لم يبقَ منه سوى عمود خشبي يقاوم وحيداً وأطلال تخاطبنا: أنقذوا معالمكم ولاتتركوها للفناء، فهي تاريخكم، ومرآة تنعكس لأجيالكم.

جامع “علها”..أحد المعالم الأثرية التي تعكس النمط المعماري للجوامع الطينية القديمة في أرخبيل سقطرى، وهو من أولى المساجد التي بنيت في المحافظة، فلم تكن هناك مساجد في عصره غير الجامع القديم في حديبو الواقع في حديبو القديمة، وجامع آخر يقع في منطقة (حولف).

ولأهميته فقد وثقه فريق الموروث الثقافي (SHP) العامل في مسح وتوثيق الموروث الثقافي السقطري في العامين ( 2018- 2019)م.

تأسس جامع (علها) في عهد السلطان حمد بن عبد الله بن عفرار سلطان سقطرى والمهرة، وكان ذلك حوالي عام 1367هـ، بعد عام واحد من بناء ديوان السلطان الذي بني جوار الجامع، قبل ذلك بعام، حسب التاريخ الموجود على باب الديوان الذي لا زال قائماً.

يتكون الجامع من المسجد الأساسي يتوسطه عمود واحد فقط، وله محراب، وخلف المسجد ملحق تربطهما 3 أبواب، ويستخدم المحلق لعدة أغراض منها: مصلى للنساء، وتعليم الصبيان، ووضع أدوات المسجد، كما أنه يستخدم مصلى في حال امتلاء المسجد.

ومن مكونات الجامع “الضاحي” وهو الفضاء المفتوح يلتصق بالمسجد ويقع إلى الشمال منه، وله محراب صغير، ويربطه بابان بالجامع، ووسطه بركة ماء لغرض الوضوء، ويستخدم للصلاة في حال كان الجو لطيفاً أو في صلوات المغرب والعشاء والفجر.

للجامع 4 حمامات تقع خلف الضاحي مباشرة، وله منارة تتكون من ثلاثة أدوار، ولها درجات يُصعد منها إلى أعلاها، وفي الدور الأخير أربع نوافذ. وكانت تستخدم للأذان، ويصل الصوت منها إلى مناطق عديدة في ضواحي منطقة “علها”.

تؤكد الروايات التي استمعنا لها أن البنّاء المنتمي لمحافظة حضرموت “صالح، ونجله عوض” قاما ببناء الجامع بمواد مكونة من الطين والأحجار، وأحياناً الأسمنت. كما طليت الجدران بمادة “النورة” محلية الصنع، وما زالت جدران الجامع تطلى بها حتى عهد قريب.

وأنت تنظر من وسط الجامع، ترى سقفه الخشبي مثبتاً بإحدى الأخشاب على عمود يتوسطه، وتحمل تلك الأخشاب الطين، والأمر ذاته في كل ملحقات الجامع.

بالحديث عن مياه الجامع، فكانت تأتي من وادي (دحزفق) الذي يبعد حوالي 6 كم تقريباً، عبر مجرى بُني من الأحجار والإسمنت في الأماكن المستوية أما في الأماكن غير المستوية فتم استخدام أنابيب؛ حيث يجري الماء إلى بركة قريبة من الجامع، ومنها إلى الجامع عبر تلك الأنابيب.

بعد الأمطار الغزيرة التي شهدتها سقطرى عام 1972م والتي تعرف محليا بأمطار (ديربوع) انهار الجزء الخلفي من المسجد والملحق ثم تم استعادته على نفقة الشيخة ذهب بنت علي زوجة السلطان حمد بن عبد الله وأخت السلطان عيسى بن علي. بينما لم يعاد بناء المنارة التي انهارت بشكل كامل.

ظل جامع “علها” عامراً بذكر الله، تقام فيه الصلوات، ويعلم فيه المعلمون الصبيان قراءة القرآن وحفظه، حتى مطلع الألفية الثانية، حيث هجره الجميع قبل نحو 15 عاماً، وزاد تعرضه للإهمال بشكل أكبر.

بعد انتقال الناس منه وانقطاع الصلاة فيه وإهماله، وبعد صمود لعشرات السنين، بدأ الجامع يترك سبيل المقاومة واختار الاستسلام لعوامل التعرية وتغيرات الزمان، فقد أكلت منه الأمطار الغزيرة، وانهارت أجزاء كبيرة منه، ولم تبقَ سوى أطلال.

انهار سق الجامع والمحق بشكل كامل، ولم يبقَ غير العود الكبير التي كان يحمل سقفه، وهو أيضا متهالك. كما ذهبت أجزاء كبيرة من المسجد وخاصة في جهة القبلة وفي الجهة الخلفية، وتعرضت جدران الضاحي لتشققات كبيرة، كما انهارت المنارة ولم تبق الأبواب أو النوافذ، فيما يحتفظ جامع “علها” بأجزاء من الحمامات التي توشك على السقوط.

ومع الانهيار الكبير الذي شهده أحد المعالم الأثرية في سقطرى، تنطلق دعوات بضرورة الاهتمام به وإعادة تأهيله ليبقى شاهداً على العمارة الطينية، ومتحفاً معمارياً لنمط الجوامع، ومزاراً سياحياً مهماً للباحثين والمختصين ومحبي التراث السقطري الفريد.

قد يعجبك ايضا