“التقوا بهم وقدّموا لهم المساعدة”… ماذا تعرف عن قصص الجن مع سكّان سقطرى؟

قشن برس- تقرير خاص

في الماضي كنا نسمع من الآباء والأجداد قصصاً مختلفة عن الجن، يقولون إنهم التقوا بهم، ساروا معهم، وتحدثوا إليهم أحياناً، بل وقدّم الجن لهم بعض المنافع. لكن يبدو أن الجن الذين قابلوا أجدادنا قد ذهبوا جميعا إلى سقطرى!

كثيرة هي غرائب سقطرى وعجائبها..حتى عالمها المخفي له جزء من الدهشة والغرابة. يقال إن الجن فيها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة الناس ويقوم بمساعدتهم في حياتهم اليومية. هكذا تقول الخرافة.

يطلق السقطريون على عالم الجن مسمى (حدبهؤ)، وهو اسم للجمع، ومفرده (حدبهي)، والمؤنث منه (حاديبوه)، وهو مأخوذ من اللفظ (حادب)، ويعني: غير غريب. فعندما يخاطب الإنسي الجن بالسقطرية: (حديب أل طعيهن)، فذلك يعني: نحن لسنا غرباء، بل من أهل هذا المكان، فلا داعي لترويعنا وتخويفنا، ويقال أن مسمّى عاصمة سقطرى بـ (حديبو) مأخوذ من مسمّى هذا الجن المسالم.

يتناقل السقطريون خرافات عديدة عن علاقة جيدة بين الجن والبشر…ينقل الباحث في التراث الثقافي السقطري أحمد الرميلي عن أحد أبناء الأرخبيل قوله إنّ جنية مسالمة كانت تأتيه في منامه لتساعده في شؤون حياته، كأن توقضه للصلاة، أو تدلّه حينًا على غنمته التي افتقدها أو على شيء ما نسي مكانه. وكان يضع لها الطعام في إناء فخاري في مكان معين، ويسمى ذلك المكان (قعر دحاديبوه)، أي بيت حاديبو، واستمر الحال بينهما حتى قطع هو عنها الطعام، فانقطع التواصل بينهما، وفق قوله.

وممّا يتناقله السكان من خرافات متصّلة بالجنّ أيضا أن شخصاً سار ليلاً، وبينما هو يسير إذ سمع جلبة وأصوات أشخاص وحيوانات، فعرف أنهم حدبهؤ، فتنحى جانباً عن الطريق، فمروا من أمامه، ولم ير سوى ظل الحيوانات والأشخاص فقط، وكانت الليلة مقمرة، فلما انتهوا من أمامه رجع إلى طريقه ليكمل مشواره، فإذا بظل شاه يجري نحوه، تتبع القطيع، فأخذ غصن من شجرة (إمتأ) القريبة منه، وألقاها على ذلك الظل، فصارت الشاة على حقيقتها.

تعرف شجرة “إمتأ” في سقطرى بأنها تفسد اختفاء الجن. يقول الرجل الذي كان مختبئاً: وقفت الشاة في مكانها، ورجع هو إلى مخبأه، فسار حدبهؤ مسافة ما، فافتقدوا شاتهم، ورجع مجموعة منهم، فوجدوها قائمة وقد وضع عليها شيء من شجرة (إمتأ)، فعلموا أن من فعل ذلك هو الإنسي، فتركوها ورحلوا، وعاد هو وأخذ شاته.

وذُكر أن سلالة تلك الشاة ما زالت موجودة بالتوارث، وأنها من أجود السلالات، والحكايات عن حدبهؤ كثيرة، بعضها ممزوج بشعر سقطري يقولها حدبهؤ.

خرافة أخرى يتناقلها السقطريون عمّا حدث بين امرأة جنية وأخرى من الإنس نسيت طفلها.تقول القصّة إن أناساً قرروا الرحيل من ديارهم مع حيواناتهم بحثاً عن الماء والكلأ، وفي خضم الانشغال بالحيوانات وتجميعها وسوقها نسيت إحدى النساء طفلها الرضيع في المنزل، وأخذت حقيبة ملابسها، ظناً منها أن ما حملته هو طفلها الرضيع.سار القوم مسافة طويلة، وبينما المرأة تسير وهي منهمكة في حيواناتها، انقطع الحبل الذي مسكت به حقيبتها، فعرفت أن ما تحمله لم يكن طفلها فعادت مسرعة، ولما اقتربت من المنزل سمعت صوت امرأة (حاديبوه) وهي تغني للطفل الرضيع بصوتها العذب الجميل، وهي واقفة على الباب، وتقول الخرافة إن الجنية قالت باللغة السقطرية:

نشوتك ديه بيوه * وأجردتك دي عيدله

سبعه شطرهراعتيبضه * واستيكعه دي تمنه

لده لملج دكرتك * دي شرعهن ميه عم تبضك

سُهُر بيناكي ع لكاب * سابر بحه ع لندق هك

وعن معطهن أنحلأ * ع لرضك بتنقعيهن

ومعنى ذلك:

نستك أمك، وتركتك من حملتك تسعة أشهر

مرت على أرض سبع قبائل، ودخلت أرض القبيلة الثامنة

ذكرتك عندما تقطع ممسك حقيبتها التي كانت تحملها، وسقطت على الأرض

منعتني شجرة (سُهُر) الموضوعة على الباب من الدخول إليك، ومنعتني الشجرة الحارقة التي طعمها في فمي من أن أعطيك

أما السوارات  التي في يداي فقد أصابها الصدى، ولم تعد تلمع وتصدر صوتا؛ كي ألاعبك بها

 

سمعت أم الطفل تلك الكلمات الجميلة بالصوت العذب، ولما اقتربت من الباب اختفت الجنية فجأة، ودخلت المرأة إلى طفلها، ووجدته سالما كما تركته.

وتفيد الخرافة أن الجنية (حاديبوه) لا تدخل بيتاً وضعت على بابه شجرة (سُهُر)؛ وهي شجرة ذات أشواك، غالباً ما توضع على أبواب المنازل قديماً، صوناً لها عن دخول الحيوانات والجن…ولهذا امتنعت الجنية من الدخول لملاعبة الطفل، وبقيت تغني له طوال الفترة التي غابت فيها الأم، فيسمع الطفل صوتها، ويتوقف عن البكاء.

وتقول خرافة أخرى إن شخصاً كان يسكن منطقة اسمها (زروج)، ولديه بقرة وصغيرها، وكان يسرِّح البقرة في جهة والصغير في جهة أخرى، وحينما يبحث عن الصغير صباحاً يجد في المكان الذي يبيت فيه أثرين، وكأن صغيراً آخر بات بجواره، استغرب الرجل حيث لا يوجد سوى صغير واحد، وبدأ يراقب الأمر فرأي مع صغيره صغيراً آخر يبيتان معاً، ويفترقان في الصباح، فعلم أن ذلك للجن (حدبهؤ)، فتحيَّن الفرصة حتى وضع عليه غصناً من شجرة (إمتأ) التي تفسد على الجن (حدبهؤ) حيواناتهم ويتنكرونها وضمه إلى صغيره، وصار ملكاً له.كبر الصغير الذي تملكه الرجل وصار بقرة، ووضعت، فلما أراد أن يحلبها أخرجت دماً، وليس لبناً، فسكبه على الأرض، وظل كذلك حتى زاره رجل من مكان يسمى (تنيره)، فشكى إليه حاله مع بقرته، فعرض عليه الرجل أن يبدله بقرة من عنده مقابل أن يأخذ تلك البقرة التي لا تحلب لبنا، فاستحسن الأمر، وتبادلا، فأخذ صاحب (تنيره) بقرته، فلما يحلبها يضعه حتى يروب، ثم يخضعه ويشربه، فعل ذلك بضعة أيام، وإذا بالبقرة عندما تُحلب يصير حليباً، ولم يعد يصير دما.

بعد ذلك، رأى ذلك الرجل الذي تخلى عن البقرة الجنية في المنام شخصاً من الجن ينشد شعراً ويقول: “بك عمك بر أل ستوبت* (دتبحت) بـ(زروج)

بُق بـ(تنيره) أكسس* كعيجالمحازج

)دتبحت) اسم البقرة، (المحازج) ما يربط به أرجلها عند الحلب، وهو هنا كناية عن اتقان التعامل مع البقر.

ومعناه: يخبر الرجل (حدبهي) أنه كان يتوقع من البقرة المسماة (دتبحت) عدم بقائها مع صاحب منطقة (زروج) بل مع الرجل الساكن في (تنيره)، فهو صاحب المعرفة بالبقر وأسرارها، ويُحكى أن البقرة تكاثرت حتى بقي من نسلها في العصر الحديث.

وليست الخرافات متصلة بالأبقار وحدها بل بالأغنام أيضا. فممّا يحكى أن أحد الرعاة فقد بعض أغنامه، فبحث عنها ولم يجدها. وجاءته الجنية (حاديبوه) في المنام، وأنشدت بعض أبيات تدله فيها على مكان أغنامه، وتصف ألوانها، وتذكر أسماءها، فقالت:

نهر حأ مسن أرهن * لفجر لدي قرحه

بسن ضعي بر ديكك* وبر قنبحهصعبب

ولبنه دسس لبهن* دي آطب دي مسرحل

 

ومعنى ما سبق أنّ الجنية أخبرت الرّاعي أنها رأت أغنامه المفقودة في المكان المسمى (فجر دي قرحه)، ومن ضمنها اثنتان بنت الغنمة التي يسميها (ديكك) وأخرى بنت الغنمة المسماة (قنبحه)، والتي لونها (صعبب) أي رمادي، وأخرى لونها أبيض (لبنه)، ومعها صغير أبيض أيضاً، ولديها ضرع طويل يكاد يلامس الأرض، وبذلك وصفت الجنية (حاديبوه) المكان والأغنام وصفاً دقيقاً، في ثلاثة أبيات شعرية.

وتقول خرافة أخرى أن رجلاً من رعاة سقطرى فقد غنمة له وهي حامل، فبحث عنها دون جدوى، وفي نومه أتته الجنية وأنشدت شعراً تدله على غنمته فقالت:

بر صعنكحلحلهن* بق سه براقب بعلها

عجهألهل دمن حلحل* دي حنك دي مشجريه

أل عاد يقلبن هس متأل* وأل قهه هس كر تعرم

 

ومعنى ذلك أنّ الجنية ذكرت اسم الغنمة (بر صعنك)،ولونها (حلحلهن)، وأنها في المكان المسمى (راقب علها)، وقد ولدت أنثى، مثل لون أمها، وأخبرته يقينها مما تقول، فقام الرجل في الصباح، ووصل المكان، فوجد غنمته كما وصفته له الجنية.

كثيرة هي الأساطير والقصص ذات العلاقة بالجنّ التي يتناقلها السقطريون جيلا بعد جيل. خرافات صيّرها الكاتب والمصوّر الإسباني جوردي استيفا كتابا وشريطا يحملان عنوان “سقطرى: جزيرة الجنّ”. ويحكي استيفا في هاذين العملين قصة الرحلة إلى جزيرة سقطرى الواقعة في المحيط الهنديّ، جاعلا السقطريين يحكون بلغتهم المحلية قصصهم مع الجنّ والأفاعي المتوحّشة. ففي سقطرى، لا يبدو أن عالم الخرافات قد تلاشى بعد…

قد يعجبك ايضا