متحف(رقله)… بيت التراث السقطري الوحيد وتاريخها المهدد بالاندثار

قشن برس- أحمد الرميلي 

يسخّر الشيخ حسين تحكي، البالغ من العمر 50 عاماً كل جهوده من أجل الحفاظ على متحف صغير شيده شقيقه الأكبر للحفاظ على التراث السقطري المتنوع والعريق.

يداوم “تحكي” على حراسة متحف (رقلة) على مدار السنوات الماضية بدون مقابل، فالمتحف كما يقول هو الكنز الذي أسّسه شقيقة الراحل من أجل سقطرى وتراثها وتاريخها.

ينظر الرجل إلى المتحف بحسرة وألم، فهو يحلم بتطويره، ويدعو لقيام السلطات بواجبها في الحفاظ على الكنز الثقافي والموروث الشعبي الذي يجسد التاريخ السقطري وعاداته وتقاليده العريقة.

يقع المتحف في قرية صغيرة بمنطقة “حالة” التي تقطنها بضع الأسر شرقي سقطرى؛ على بعد 45 كم من العاصمة حديبو

.

أنشأ الشيخ أحمد بن سعد بن خميس تحكي المتحف في عام 1991م، وتحكي هو أحد مواليد منطقة حومهل القريبة من (رقلة)، وكان حينها أحد أبناء الأرخبيل المغتربين في سلطنة عمان.

في صباح يوم الاثنين خرجنا من العاصمة “حديبو” باتجاه المتحف، وبعد حوالي ساعتين من السفر وصلنا إلى منطقة حالة وحطت رحالنا جوار المتحف، وهناك وجدنا الشيخ “حسين تحكي” يجلس تحت الأشجار التي زُرعت داخل السور المحيط بالمتحف.

فتح لنا الرجل باب المتحف وهو يبتسم وعندما سألناه عن السر وراء ذلك أكد لنا أن المتحف منذُ عدة شهور لم يحظَ بزيارة أحد، ولذا كانت سعادته غامرة.

وجدنا المتحف يتكون من غرفة مستطيلة مساحتها حوالي (9×5)م، وأمام الغرفة سور له باب، زرعت فيه بعض الأشجار السقطرية.

عند دخولنا إلى المتحف وجدنا تراثاً متنوعاً وعريقاً، لكنه يفتقد للتنظيم والترتيب، ويشكو الإهمال الكبير من الجهات الرسمية، وتجاهلها للتاريخ والكنز الثقافي الذي يحفظه المتحف.

كانت الكثير من القطع التراثية ملقاة على الأرض أو معلقه على الجدران بطرق عشوائية، ولا تجد بداخله رفوف زجاجية تحمي المعروضات من ملامسة الزوار لها أو نقلها.

وتحدث الرجل خلال تجولنا داخل المتحف عن تلف بعض المعروضات بسبب ملامسة الأيدي لها، والبعض تقترب من التلف والاندثار لأنها مكشوفة وفي متناول الجميع.

وتمنى “تحكي” خلال حديثه لنا أن تلتفت الجهات المختصة أو المنظمات الدولية واليونسكو للمتحف وتسعى لتطويره وتوفير احتياجات ضرورية تحافظ على الأدوات التراثية من التلف والانهيار.

وأفاد أيضا أن من الأهمية بمكان وجود لوحات إرشادية كافية أمام كل معروض، توضح نوعه واستخداماته ومكوناته وكل المعلومات المتعلقة به، حتى يعرف الزائر كل ما يكمن معرفة من تلك اللوائح، وأفاد أيضاً أنه ينبغي أن تكون هناك لوائح إرشادية، كأن يكتب عليها (الرجاء عدم اللمس)، و(الرجاء عدم نقل الأشياء من مكانها)، وهكذا؛ حتى يعي الزائر ويعرف ما يمكن أن يلتزم به داخل المتحف.

الكثير من التراث المتنوع

يضم المتحف الكثير من التراث البحري وأدواته، من القارب السقطري (هوري)، والحبال والأدوات التي تستخدم أثناء الصيد، والمجاديف التي يتحرك بها القارب، والشراع، وغيرها.

كما وجدنا فيه الأدوات المصنوعة من الفخار، كالقدور والمجامر وأدوات الطباخة وأواني الشرب وأواني حفظ الحليب والسمن، وغيره، بالإضافة إلى الأدوات المصنوعة من الجلود بمختلف استخداماتها، فمنها ما يستخدم للافتراش، ومنها ما يستخدم لحفظ الأدوات (مطدها)، ومنها ما يستخدم لطلوع النخيل (حبهل)، ومنها ما يستخدم لحفظ التمور واللبان، وغيره.

وفيه رأينا الأشياء التي تصنع من سعف النخيل باستخداماتها المختلفة، كالحصير وأدوات حفظ الحبوب وتمر النخيل، وكذلك الأشياء التي تصنع من جريد النخل، مثل الأبواب والمعالق التي عليها القدور والأواني والملابس، وغيره.

وبداخل المتحف تجد لباس المرأة السقطرية القديم، وأدوات الزينة المصنوعة من الفضة، كالتي تستخدم للآذان والأيدي والأرجل، والحزام الذي يربط به الثوب في الخاصرة (سلسله)، وأدوات التجمل.

ويضم المتحف بداخله العملات القديمة التي كانت متداولة في سقطرى، مثل التي تعرف في سقطري بـ(القروش والرُبِّية).

يحتوي المتحف أيضاً على مخطوطات المصحف الشريف التي كتبها السقطريون قديماً، يعود بعضها إلى عام 1000هـ.

كما تجد فيه صور قديمة، تم جمعها من الإنترنت ومن بعض المهتمين، وتم عرضها في المتحف، منها صور لبعض السلاطين، وصور أخرى تعطي فكرة عن الماضي السقطري.

ومن المعروضات أيضا الأدوات التي كانت تستخدم في الطبل، وأدوات تستخدم في الحدادة، وأدوات تستخدم في الحجامة، والمصنوعة من قرن البقر

وتجد بداخله الحبال المصنوعة من أشياء مختلفة، بعضها من الصوف، وبعضها من سعف النخيل، بالإضافة إلى الأداة التي كانت تستخدم في طحن الحبوب قديماً، والتي تعرف بـ(رحى).

وفيه أيضاً الصندوق التي كانت المرأة تستخدمه لوضع الملابس فيه، والذي يعرف محليا بـ(سسم)، وهو صندوق يتم استيراده من خارج سقطرى.

مجسمات وهياكل

الجميل في المتحف أنه يحوي على مجسمات وهياكل تعطي الزائر انطباعاً وصورة واضحة عن ذلك الموروث، وتوصل له الفكرة بشكل أدق وأعمق، ومن تلك المجسمات:

مجسم المرأة وعليها الثوب القديم، وأدوات الزينة على الآذان والأصابع والأرجل والأيدي والخاصرة والحلق.

مجسم للمعمل المستخدم في الغزل السقطري بكل أدواته التي يعتمد عليها المعزل

مجسم للقارب القديم (هوري)، وعليها المجاديف والأدوات المستخدمة في الاصطياد.

مجسم للأدوات التي توضع على ظهر البعير، والتي تعرف بالسقطرية: (مقاطف، زمال، مرادف، مشده، محاتل).

مجسم الأثافي وعليها قدور الطبخ.

مجسم لهندول الطفل.

مجسم لصغير البقر تم تحنيطه، وهو يتناول اللبن من القربة.

مجسم النخلة وعليها الأدوات التي تستخدم فيها.

مجسم للخشب الذي كان تتم الكتابة عليه والقراءة منه قديماً.

ومن الأشياء الجميلة التي تلفت انتباه الزائر للمعرض وجود بعض اللوائح التعريفية للأشياء الموجودة داخل المتحف.

توسيع وتطوير المتحف

يقول مدير عام الهيئة العامة لحماية البيئة في سقطرى، على محمد سالم، إن المتحف بحاجة إلى الدعم والتطوير من خلال التأهيل والتوسيع.

وأضاف أن المتحف بحاجة أيضاً إلى التكاتف والتعاون بين الجهات المختصة والخبراء في التراث من أجل تجميع ما تبقى من موروث سقطرى وإدخاله إلى المتحف، لكن بعد أن يتم تأهيل المتحف وتوسيعه.

ويرى الخبير في التراث السقطري  إسماعيل محمد أحمد أن متحف (رقله) من الأشياء الجميلة والفريدة في سقطرى، ولا يوجد له مثيل حتى يومنا هذا.

ويضيف في تصريح لـ”قشن برس”: إن دلَّ ذلك على شيء فإنما يدل على اهتمام المؤسس أحمد تحكي بالموروث الثقافي، وشغفه الكبير في أن يضع بصمة يُذكر بها، وقد فعل.

لكنه يرى أن موقع المتحف لم يكن مناسباً، وكان من الأولى أن يكون في العاصمة حديبو حتى يستطيع الكل زيارته، ويكون المتحف نشطاً طوال الوقت، فوجوده على بعد (45) كم من العاصمة وفي قرية نائية وبعيدة ساهم في إهماله ولم يحصل على حقه من الزيارة والاهتمام.

قد يعجبك ايضا